السيد كمال الحيدري
392
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللهُ . . . ( التوبة : 37 ) ، حيث يتعذّر علينا الوصول إلى المعنى الدقيق لكلمة ( النَّسِيء ) ، وسرّ كونه زيادة في الكفر ، وهنا يُسعفنا التأريخ من خلال تسليطه الضوء على الواقع الذي كان عليه عرب الجاهلية في تعاطيهم مع الأشهر الحرم ( رجب ، ذي القعدة ، ذي الحجّة ، محرَّم ) ، بنحو العدد لا التشخيص ، حيث يلتزمون بأربعة أشهر مختلفة ، منها من أشهر الحرم ، ومنها من أشهر الحلّ ، فيُعوّضون بأشهر الحلّ ما فاتهم من الأشهر الحرم الأصلية ، أي : يقترضون شهراً ثمَّ يفون ذلك بشهر آخر عوضاً عنه ، وهذا هو النسيء ، ولكونهم في الأصل كفّاراً فإنَّ التبديل بأشهر الله الحُرم يكون زيادة في الكفر . علماً بأنَّ هنالك الكثير من القرائن الحالية لم تُحفظ لنا لولا رصدها من بعض الصحابة وتدوينها ، وبالتالي فإنَّ هذه المصادر التأريخية تمثّل ثروة هائلة يستجلي من خلالها المفسّر المُحقّق تفاصيل الموضوع وتشخيص الموقف ، فقوله تعالى : إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا ( الأحزاب : 10 ) ، يعسر علينا فهمه بشكل دقيق دون الوقوف على تفاصيل الموضوع وخلفياته ، وبالتالي يثبت لدينا أنَّ الوقوف على المصادر التأريخية يُعتبر ضرورة تفسيرية في مجموعة غير قليلة من النصوص القرآنية ، وبدونها سوف تبقى الصورة مبهمة ، وهذا الإبهام سوف يُفقد العملية التفسيرية من محتواها . جدير بالذكر أنَّ مصادرية المصنّفات التأريخية تخضع لمجموعة شروط وضوابط من أهمّها التحقّق من وثاقة الراوي والمروي ، ومن المؤسف جدّاً أن تأريخنا الإسلامي قد وقع فيه دسّ وزيف كبيران جدّاً ، وهذا ما يُعقّد المُهمّة كثيراً على المُفسّر ، ولكن المصنّفات التفسيرية - لحسن الحظّ - لم تنحصر بجهة وخط معيَّن ، حيث بالإمكان الوصول إلى نسبة معتدٍّ بها من التدوينات التي